الأحد، 4 مارس 2012

ابن حزم يتحدث عن نفسه


   
وهذه هي القصة التي نشرها رينهارت دوزي من "طوق الحمامة" وكانت سببا في اهتمام الغرب بهذا الكتاب:

"وإني لأخبرك عني: إني ألفت في أيام صباي، ألفة المحبة، جارية نشأت في دارنا، وكانت في ذلك الوقت بنت ستة عشر عاما، وكانت غاية في حسن وجهها وعقلها وعفافها وطهارتها وخفرها ودماثتها، عديمة الهزل، منيعة البذل، بديعة البشر، مسبلة الستر، فقيدة الذام، قليلة الكلام، مغضوضة البصر، شديدة الحذر، نقية من العيوب، دائمة القطوب، حلوة الإعراض، مطبوعة الانقباض، مليحة الصدود، رزينة القعود، كثيرة الوقار.. لا توجه الأراجي نحوها، ولا تقف المطامع عليها.. فوجهها جالب كل القلوب، وحالها طارد من أمّها، تزدان في المنع والبخل، ما لا يزدان غيرها بالسماحة والبذل، موقوفة على الجد في أمرها، غير راغبة في اللهو."[1]

    "أحببتها حبا مفرطا شديدا، فسعيت عامين أو نحوهما أن تجيبني بكلمة، وأسمع من فيها لفظة، غير ما يقع قي الحديث الظاهر إلى كل سامع، بأبلغ السعي، فما وصلت من ذلك إلى شيء البتة... فإني لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه، أنسا بقربها، متعرضا للدنو منها، فما هو إلا أن تراني في جوارها فتترك ذلك الباب، وتقصد غيره في لطف الحركة، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه، فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره.. ثم انتقل أبي – رحمه الله – من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة، في ربض الزاهرة، إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث، في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة. وانتقلت أنا بانتقاله، وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ولم تنتقل هي بانتقالنا لأمور أوجبت ذلك.

    ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد، بالنكبات، وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والترقيب، والإغرام الفادح والاستتار، وأرزمت الفتنة، وألقت باعها، وعمت الناس، وخصتنا، إلى أن توفي أبي الوزير – رحمه الله – ونحن في هذه الأحوال، بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنتين وأربعمائة. واتصلت بنا تلك الحال بعده إلى أن كانت عندنا جنازة لبعض أهلنا فرأيتها.. قائمة في المأتم وسط النساء، في جملة البواكي.. فلقد أثارت وجدا دفينا، وحركت ساكنا، وذكرتني عهدا قديما، وحبا تليدا، ودهرا ماضيا، وزمنا عافيا، وشهورا خوالي، وأخبارا بوالي، ودهورا فواني، وأياما قد ذهبت، وآثارا قد دثرت، وجددت أحزاني.. على أني كنت في ذلك النهار مصابا من وجوه، وما كنت نسيت، ولكن زاد الشجن، وتوقدت اللوعة، وتأكد الحزن، وتضاعف الأسف، واستجلب الوجد ما كان منه كامنا فلباه مجيبا، فقلت قطعة منها:

    يبكي لميت مات وهو مكرّم

وللحي أولى بالدموع الذوارف

    فيا عجبا من آسف لامرئ ثوى

وما هو للمقتول ظلما بآسف

    ثم ضرب الدهر ضربانه، وأجلينا عن منازلنا، وتغلب علينا جند البربر، فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة، وغابت عن بصري بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام وأكثر.
    ثم دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة، فنزلت على بعض نسائنا فرأيتها هنالك، وما كدت أميزها حتى قيل لي "هذه فلانة"، وقد تغير أكثر محاسنها، وذهبت نضارتها، وفنيت تلك البهجة، وغاض الماء الذي كان يُرى كالسيف الصقيل، والمرآة الهندية، وذبل ذلك النوار الذي كان البصر يقصد نحوه متنورا، ويرتاد فيه متخيرا، وينصرف عنه متحيرا، فلم يبق إلا البعض المنبئ عن الكل، والخبر المخبر عن الجميع، وذلك لقلة اهتبالها بنفسها، وعدمها الصيانة التي كانت غُذيت بها أيام دولتنا، وامتداد ظلنا، ولتبذلها في الخروج فيما لا بد لها منه، مما كانت تصان وترفع عنه قبل ذلك. وإنما النساء رياحين متى لم تتعاهد نقصت، وبنية متى لم يهتبل بها استهدمت. ولذلك قال من قال: إن حسن الرجال أصدق صدقا، وأثبت أصلا، وأعتق جودة، لصبره على ما لو لقي بعضه وجوه النساء لتغيرت أشد التغير .


[1] ابن حزم: طوق الحمامة: ص: 144- 145

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق