الجمعة، 8 نوفمبر 2013

سؤال الهوية في رواية مي التلمساني أكابيللا بقلم س. م. السيد

 
    سوال الهوية في رواية مي التلمساني أكابيللا بقلم س. م. السيد
 
    علامتان ثقافيتان تأخذان المسار التشكيلي في رواية أكابيللا: العلامة الأولى اسم الرواية الذي يتخذ من مصطلح غنائي دال على الصوت المنشد للحن أو أغنية بلا مصاحبة موسيقية، والعلامة الثانية عايدة التي ماتت بعد أن خرجت من ذهن ماهي وبعد أن استخرجت شخصية ماهي نفسها من نفسها لتتخلص ماهي بقدر ما من تلك الشريكة الغريبة التي صاحبتها كمرآة وظل وحركتها كدمية وطاردتها كشبح لأنها خلية مقتطعة منها، فشخصية عايدة هي المكتوب الذي امتص ماهي في عملية الكتابة، ولم يكن موتها سوى نهاية مرحلة الوعي الزائف لشخصية ماهي.
    تعالج الرواية وقوع المرأة الشرقية ضحية مرجعية ثقافية تفترض أن النموذج التكويني لما يجب أن تكون عليه الماهية الشرقية هو الرؤية الغربية للعالم، تلك الرؤية التي أنتجت الأوبرا والموضة ونموذج الفنان البوهيمي المتمرد الذي لا يلتزم بمجموع القواعد العامة ليمارس دورا دراميا يتذاكى به على من حوله.
    العنوان أكابيللا يشير إلى أن الصوت في حاجة إلى إيقاع ينتظمه ليسري معبرا عن نفسه، وشخصية عايدة تشير إلى أن الرؤية الغربية التي أعادت إنتاج الشرق هي التي تطرح على السياق الإبداعي المصري أنماط الإنتاج، ولاشك أن عايدة هي العمل الكبير الذي قدمته المؤسسة الغربية ليعبر عن ثقافة النخبة في مصر.
    قدمت مي التلمساني الرواية معتمدة على توظيف تقنيات الفن التشكيلي من خلال الملصقات السنيمائية التي تهتم بها ماهي وتصفها بدقة لتمنح الأفق الجمالي للخطاب كثافة وتمهد الأجواء التي تعيد فيها ( ماهي ) إنتاج ( عايدة ) في متواليات حكائية تعتمد على عدد كبير من التقنيات الفنية منها ملفات الكتابة الرقمية والمذكرات ومكالمات المحمول والرمز وردود أفعال الشخصيات المحيطة بتلك الشخصية الافتراضية الخارجة من الراوية لتكشفها وتنزع أقنعة من حولها.

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

إجراء أولي لتحليل خطاب سردي: بقلم س. م. السيد

إجراء أولي لتحليل خطاب سردي بشكل عام: بقلم س م السيد
 
 

1- البناء الدرامي للحكاية: يتضمن: قرائن تشكيل الشخصيات (الحسية / النفسية/ الاجتماعية/الأخلاقية) – قرائن تشكيل الأجواء العامة: المكان/ الزمان.

2- التيمات:المتوالية الفعلية الأساسية: الموضوع الحكائي الرئيس/ المتواليات الثانوية والمساعدة: يمكن الإفادة من مفهوم الوظائف الدرامية عند بروب وتطوره في السرد البنيوي ولكن بدراسة الوظائف من خلال الموضوع السردي – يراعي العلاقات الدرامية بين الشخصيات والتصاعد الدرامي للحدث.

3- بناء وجهة النظر: المنظور: زاوية الرؤية/ ماهية الراوي/ دوره/ معرفته/ وعيه/ تعدد الرواة/ وظائف الراوي.

4- بناء الأسلوب: المعجم السردي الخاص وعلاقته بالشخصيات – أنماط الجملة السردية ودلالة هذه الأنماط – تغيير النمط بتغيير الشخصية المتكلمة وصوتها أو وعيها.

5- الخطاب والمرجعية الثقافية: الأفكار التي يناقشها النص السردي وعلاقتها بزمن إنتاج النص أو علاقتها بجماع القيم المطلقة.

السبت، 2 نوفمبر 2013

الفيل الأزرق لأحمد مراد : بقلم س. م. السيد

    الفيل الأزرق لأحمد مراد : بقلم س. م. السيد

    بحجم كلمة الفيل وغموض كلمة الأزرق ينطلق السرد في رواية أحمد مراد الثالثة بعد "فيرتيجو" التي تعكس صورة الحياة المعاصرة من منظور عدسة ماهرة تخترق الصخب والصمت في الفضاء ذي النجوم السبعة وأروقة المدينة العجوز، وبعد "تراب الماس" التي يكتشف فيها الإنسان المسحوق من منظومة العصر الأخطبوطية وصفات انتقامية تمكنه من الاحتفاظ بأدنى أحلامه.
    الفيل الأزرق تخطف القارئ بصوت راويها وبطلها الذي يخرج من حكاية إلى حكاية ومن صدمة إلى أخرى ومن جريمة إلى متوالية من الجرائم ومن اللحظة الاجتماعية التاريخية إلى دهاليز أخبار الماضي ومن تسجيل
    صور واقعية إلى الدخول في نفق كابوس لا ينتهي بحجم أضخم فيل في غابات المتخيل المخزون في الذاكرة الإنسانية التي تتوتر مع الأحداث وتستدعي خبراتها في محاولة للحاق بصاروخ السرد السريع الذي يحمل ذاك الفيل الخرافي القابع في نفوسنا المقيدة بأطر اجتماعية وتقاليد أنثروبولوجية وفي أمس الحاجة لطرح كثير من الأسئلة على سياقها المتجاهل لوجودها تماما.
    تحطم الرواية تقنية القصة الإطار لتبدأ الحركة من قلب الصورة المسجونة المسكونة بأوهام لا حصر لها مع أنها تعيش عصر العلم، وتضع مرآة المجتمع الحيواني بكل شراسته أمام الشخصية المعاصرة التي تتفرج على المأساة الإنسانية غير المبررة فالمفترض أن الإنسان قد وصل لدرجة من العلم تمكنه من قراءة أدق الإشارات الجسدية، مثلما هو الحال مع بطل الرواية يحيي الطبيب النفسي الذي يعد للماجستير، لكن قراءة إشارات الواقع لا تفلح دون قراءة الدهاليز الخفية التي تتوارى فيها بقابا بدائية تتحكم في السطح البارد.

الأحد، 27 أكتوبر 2013

س. م. السيد : محمود سالم مؤصل رواية المعامرات البوليسية للأطفال في الأدب العربي المعاصر


بقلم : س. م. السيد :
محمود سالم وعالمه الساحر 

 
ولد محمود سالم عام 1929م، وهو كاتب ألغاز المغامرين الخمسة التي تعد  أشهر سلسلة مغامرات بوليسية عربية, كذلك سلسلة "الشياطين الـ13" لقد قرأ محمود سالم في اللغة الإنجليزية مغامرات يقوم بها مجموعة من الأصدقاء فأعجبته الفكرة وقرر تقديمها للمكتبة العربية لأن الناشئ العربي لا يجد احتياجاته الذهنية والشعورية فيما يقرأ من قصص للأطفال أو أعمال للكبار، إن المرحلة التي وجه إليها محمود سالم أعماله تشمل الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة، تلك المرحلة التي يسعى فيها الناشئة لتكوين الشخصية والبحث عن هدف والتطلع إلى دور اجتماعي ونيل ثقة من حولهم مع الشعور باستقلالهم وتصل فيها علاقة الصداقة التي تمثل الاختيار الحر إلى قمة توهجها وذروة اتقادها.. وقبل أن يسطر قلم محمود سالم أول ألغازه في سلسلة المغامرين الخمسة وهو "لغز الكوخ المحترق" كان يعمل في دار الهلال التي كانت – ومازالت- تصدر كثيرا من المجلات منها ما يخص الأطفال, وكانت مجلة "سمير" في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين قد أصبحت المجلة المصرية العربية الأولى التي ينتظرها أطفال المرحلة الابتدائية على وجه الخصوص صباح كل أحد, وفي سنوات الاستنزاف بعد نكسة 5 يونيو 1967م حملت هذه المجلة مهمة بث الوعي الوطني لدى الطفل المصري فكانت قصص المغامرات مجالا خصبا لهذه الفكرة وظهرت شخصيات تحمل هموم البلاد وتدافع عنها ضد العدو الذي احتل جزءا من أرضها أو الذين يساعدونه من الجواسيس أو الأعداء الذين يغتصبون حق المواطن الأمين في الداخل من أمثال تجار السموم واللصوص والمحتالين ومن أهم الشخصيات التي ارتبط بها قراء "سمير" آنذاك البواسل وهم مجموعة من "الكشافة" يشاركون في حراسة حدود الوطن وإغاثة المظلوم ورد الحقوق لأصحابها, كذلك "دندش وكراوية" الأول فتى يبيع الجرائد والثاني صبي يشتغل في المقهى وقد كونا ثنائيا للمساعدة في كشف العصابات التي تهدد أمن البلد وقد شارك محمود سالم في الكتابة لهؤلاء الأبطال على صفحات مجلة "سمير" قبل أن ينطلق إلى عالم الألغاز الذي حقق فيه نجاحا عظيما, لذلك لا تعد ألغاز المغامرين الخمسة بداية هذا المبدع في عالم القص البوليسي وكتابة المغامرات, كما لم تكن الألغاز هي خاتمة أعماله لأنه طور فكرة المغامرين الخمسة وابتكر سلسلة جديدة هي الشياطين ال 13 التي حققت نجاحا لكنه لا يصل إلى نجاح المغامرين الخمسة الذين ارتبط بهم الأطفال والناشئة في مطلع السبعينيات من القرن العشرين ولاشك أن ظروفا سياسية واجتماعية ساعدت على هذا النجاح من أهمها حاجة القارئ وقتئذ لشخصيات مصرية قادرة على مواجهة الأعداء وكشف الحقيقة في فترة صعبة من تاريخ البلاد كان الحس الوطني فيها في قمة التوهج لتعويض انكسار النكسة وإذا كان هذا الحس مرتفعا لدى المصريين كلهم فإن الأطفال الذين يخطون إلى عالم الكبار متجاوزين دنيا الاعتماد التام على الغير ومتطلعين إلى تحقيق شخصيتهم وكيانهم الخاص كانوا أشد الفئات توهجا ورغبة في صياغة عالم المدينة الفاضلة الذي تتحقق فيه العدالة والشفافية ويجد كل واحد مكانه متحديا الأعداء ومثبتا للكبار أنه جدير بالانتماء إلى الوطن والارتقاء بالإنسانية.

    المغامرون الخمسة:محب وأخته نوسة وعاطف وأخته لوزة وتوفيق (تختخ) وكلبه "زنجر".. كانوا أربعة قبل أن ينضم إليهم ذاك الولد السمين بصحبة كلبه الأسود الذكي إن المجموعة تقبله بداية على مضض وتشكك غير أنه يثبت لهم منذ اللغز الأول الذي يحله بمفرده تقريبا أنه الأفضل فيصبح عن طيب خاطر زعيمهم المحبوب.

    الولد السمين هو الزعيم.. لماذا؟

    وضعه محمود سالم هذا الموضع ليقول أكثر من كلمة:

-        الشكل ليس مقياسا للعطاء.. فخلف الهيئة التي قد يسخر منها البعض توجد حكمة إلهية علينا أن نفهمها.. وقد يكون من نسخر منهم أفضل منا.

-        في الإنسان مناطق قوة مختلفة عليه أن يبحث عنها ويستغلها.

-        يجب ألا يصرفنا الاهتمام بهيئتنا الخارجية عن تنمية قدراتنا النفسية والذهنية والاجتماعية والسلوكية.

-        على الإنسان ألا يستسلم لحكم الآخرين عليه ويتجاوز آراءهم فيه بعطائه وإثبات ذاته فإذا بمن يرفضه يبحث عنه ويحرص على صداقته.

    يقدم محمود سالم في ألغاز المغامرين الخمسة كثيرا من المعاني الإنسانية النبيلة: إن علاقة الأخوة تتفاعل مع علاقة الصداقة فيصبح الأخوة أصدقاء والأصدقاء أخوة وتجتمع الأهداف الخاصة معا ليعيش المغامرون في سياق حميم يوحد رغباتهم وتطلعاتهم لكشف الحقائق ويلتقي هدفهم مع الهدف القومي للوطن الذي يسعى للعدالة المفتقدة في السياق العالمي ويحشد قواه لتحرير أرضه من المحتل وتظل القيمة الكبرى التي تعلمها الأطفال من الألغاز متمثلة في السعي الدائم للبحث عن الحقيقة فهذه القيمة تحرك كل أديب وعالم ومفكر وقاض ينشد العدالة ومفتش يحقق الأمن الاجتماعي لأسرته الإنسانية, كل هذه المثل يبثها محمود سالم في مغامرات ممتعة فالتشويق الذي تتميز به المغامرات يؤدي غرضا مهما في هذه المرحلة وهو غرس حب القراءة في سلوك الناشئة فيصبح الكتاب أحد العناصر الحيوية المهمة, يبحث الإنسان عنه ويقضي معه وقتا جميلا بوصفه خير صديق.

    يؤسس محمود سالم قيمة فريق العمل في ألغازه وكل فرد في هذا الفريق له تميزه: توفيق (تختخ) هو العقل الذي يتجمع حوله الأصدقاء أو الطاقة المغناطيسية التي تجذبهم وتنطلق منه مشاريعهم وينصب عنده طموحهم, محب الرياضي القوي الشجاع الذي يمثل قوة الجسد, عاطف خفيف الظل المرح بميوله الفنية وخياله المبتكر, نوسة بذاكرتها الأرشيفية ودقتها ونظامها تمثل حكمة الإدارة, لوزة الأصغر سنا تصدر عنها آراء صائبة لم يتوصل إليها من حولها فتمثل بذلك الذكاء الفطري الخالص والاتقاد الروحي والتوهج الذهني الصافي والبديهة الحاضرة.

    مفتش المباحث "سامي" هو الرؤية الحكيمة والضمير الواعي لجيل الكبار, إنه يعترف بالصغار حينما يرى تفوقهم فيفتح لهم مجال مساعدة العدالة ويحتضن طاقاتهم ويرعى نبوغهم.

    أما الشاويش "علي" أو "فرقع" كما يطلق الأولاد عليه فهو رمز التقاليد الجامدة التي لا تعترف بمواهب الصغار وتقف في طريقهم.

    وحي "المعادي" هو مركز نشاط المغامرين وقتها كان ضاحية هادئة ومازال يحتفظ بشيء من جماله وخضرته ومنازله الأنيقة ولكنه لا يقف حائلا في طريق المغامرين الممتد بحدود مصر والمنطلق أحيانا في فضاء عالمي فهناك ألغاز تحدث في الإسكندرية وبحيرة المنزلة وكفر الشيخ والواحات والسويس وفينيسيا المدينة العائمة كما يصفها عنوان أحد الألغاز.

    وهناك تعاون بين المغامرين وأولاد في سنهم من الأماكن المختلفة التي تدور أحداث الألغاز فيها ويحرص المؤلف على أن يلتقي المغامرون بأقران لهم من دول عربية أو أفريقية ليقدم الأبعاد المختلفة لشخصية مصر.  
    يحتفظ محمود سالم بمقعد مستحق في مكتبة القصة البوليسية التي تضم أعلاما كبارا على المستوى العالمي من أمثال "إجاثا كريستي" التي ابتكرت شخصيتها الشهيرة "مستر بوارو" ولا شك أن حديث "تختخ" السابق يذكرنا بهذه الشخصية، مثلما نتذكر شخصية "شرلوك هولمز" التي صاغها "سير آرثر كونان دويل" ونمضي في مكتبة المغامرات السردية العالمية فيقابلنا "ألفريد هتشكوك"المؤلف والمخرج السينمائي المتخصص في أدب الرعب و"أيان فلمنج" أحد رواد رواية التجسس وصاحب شخصية "جيمس بوند" الشهيرة. في مصر تدفقت قصص المغامرات مصاحبة لألغاز محمود سالم ومستغلة النجاح الذي حققه الرجل مع المغامرين الخمسة فظهرت سلسلة "المخبرين الأربعة" التي شارك في كتابتها أكثر من مبدع من بينهم مجدي صابر الذي انطلق إلى عالم الدراما التليفزيونية, كذلك نجحت سلسلة "المغامرين الثلاثة: محسن وهادية وممدوح" لرجاء عبد الله.. لكن النجاح المؤثر في الجيل التالي لمحمود سالم كان على يد نبيل فاروق الذي قدم شخصية رجل المخابرات "أدهم صبري" في سلسلة "رجل المستحيل".

    إن كل مغامرة خروج لاكتشاف النفس ومعرفة العالم وبذلك تذكرنا المغامرات بالبنية التأليفية للحكاية الشعبية فكل حكاية كانت تبدأ بفعل الخروج حين يخالف الطفل الصغير نصائح الكبار فيهرب من منزله إلى العالم الواسع ويكتشف أن العالم ليس مكانا آمنا مثل منزله الجميل الذي تمرد عليه ولكنه يقاوم فكرة أن يعود مهزوما ويظل في البحث عن الحقائق التي يعرفها الكبار ولا يريدون له أن يصل إليها شفقة منهم عليه.


 

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

س. م. السيد : الجاحظ رائد الواقعية - أعلام القصة العربية -

س. م. السيد: أعلام القصة العربية
الجاحظ رائد الواقعية
 
    تنهال المجلدات فوق رأسه وتختلط الحروف وتتشابك الأصوات يناديه أصحابها ليذهب إليهم هناك في عالم بعيد جديد لم يره من قبل وهو الذي حاول طرق كل باب ودخل عقولا وقلوبا ونفوسا كثيرة.. صيحة أخيرة ربما انطلقت منه وربما لم يسعفه القدر لأن يصرخ بها ذاك الشيخ الذي تجاوز التسعين الغارق دائما بين كتبه لعل بعض من رآه وهو فاقد الوعي يقول وبما نفعته الكلمات وماذا بقي له بعد أن راح العقل في رحلة لا عودة منها. ترى ماذا وجدوا في عقل "أينشتين" بعد وفاته؟! ها هو ذا عقل الجاحظ يداهمه الصمت الأخير.. يشهد عام (255هـ) نهاية رجل نبيل عاش مع العظماء في الواقع والفكر والخيال.. تابع أخبار المهدي وشعر بالزهو في زمن الرشيد هارون وبارك خطا المأمون وهو متجه لافتتاح دار الحكمة وسمع أبا تمام وهو ينشد للمعتصم "السيف أصدق أنباء" مثلما وصلت إليه أصوات البحتري والعباس بن الأحنف وأبي العتاهية وأبي نواس وبشار وشهد حلقات المتكلمين والمترجمين والفقهاء والعلماء والمهندسين والأطباء.. تلك الأشباح التي عاشت في ذاكرته الممتدة المتسعة العميقة يحاورها وتحاوره فلم يشعر أبدا بوحدة وهو يحتويهم في صمته الظاهر.. يدفعهم حينا ويحتمي بهم حينا آخر حتى انهالوا جميعا على الجسد الواهن فيذهب الرجل إليهم تاركا خلفه مكتبة سردية علمية تتناول كل المعارف التي شهدها عصره وستظل تطرح نفسها على مائدة الحوار الإنساني.   
    عاش أبو عثمان عمرو بن بحر (ت255هـ) الذي استمد من صفته الجاحظ علامة غلبت على اسمه، مفكرا حرا.. يبدع في الآداب والعلوم والفنون يناقش المقولات السائدة ويشارك في صياغة السرديات الثقافية للعصر الذهبي الذي صنعته الحضارة العربية الإسلامية ويضع اسمه على روائع يدرك قدرها أمناء المكتبة العالمية مثل البخلاء والحيوان والمحاسن والأضداد والبيان والتبيين ورسائل كثيرة من بينها رسالة التربيع والتدوير التي أرى أنها أول رواية فلسفية في تاريخ السرد العربي بل هي ثورة أطلقت كثيرا من المفاهيم النقدية مثل مفهوم منظور الرؤية إذ يختلف المرجع أو الحدث أو الموقف باختلاف عين الراوي وموقعه ودوافعه وغايته، كذلك مفهوم الصورة الذهنية فنحن نعيش بصور تكونها ذاكرتنا الثقافية تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين, ثم مفهوم الإدراك أو علاقة الذات بالموضوع، هذه المفاهيم عالجها الجاحظ في روايته الفلسفية الرائعة "رسالة التربيع والتدوير" التي قدم لنا فيها شخصية "أحمد بن عبد الوهاب" مدعي الثقافة الجاهل، المغتر بوهمه، وما هو إلا نموذج للإنسان الغافل عن الحقيقة، الملتحف بالأباطيل ليغطي عريه الروحي.
    فيما يتعلق بالقصة يقدم الجاحظ فكرة رائدة بالنسبة لعصره فهو القائل بالمحافظة على أسلوب الشخصيات التي يعبر عنها الأديب أو يحاكيها وهذه القضية شغلت مساحة مهمة في النظرية الأدبية الحديثة وفي مجال القصة على وجه التحديد لأن الإبداع القصصي طرح على المبدعين سؤالا مهما هو هل يكتب الأديب بلغته العالية الحوار بين أبطال عالمه السردي أو يحتفظ للشخصيات بلغة تمثلها وتقدمها في هيئتها وملامحها وطباعها النفسية ومستوياتها الاجتماعية؟ كان رأي الجاحظ قديما هو الاحتفاظ بلغة الحكاية بمعنى أن تكون لغة الحوار هي ذاتها لغة الشخصيات في الحياة وهذا ما يجعل الجاحظ من رواد الواقعية.
    في "المحاسن والأضداد" يقدم الجاحظ خبرا يضع فيه نظرية القصة موضع التأمل فالراوي يقص ببلاغة الشعر مما يصيب المتلقي بالملل ويجعله يتدخل طالبا من القاص تغيير هذا الأسلوب فهناك فرق بين بلاغة الشعر وبلاغة القصة وهذا وعي بالغ من الجاحظ الذي أدرك هذا الفرق في القرن الثالث الهجري منذ مئات السنين والمقطع الآتي من الخبر يوضح هذه الفكرة:
    "قال الحجاج اطلبوا لي شهاب بن حرقة السعدي في الأسرى أو القتلى فوجدوه في الأسرى فلما أدخل على الحجاج قال له: من أنت؟ قال: أنا شهاب بن حرقة، قال: والله لأقتلنك، قال: ما كان الأمير بالذي يقتلني. قال: ولم؟ قال: لأن في خصالاً يرغب فيهن الأمير. قال: وما هن؟ قال: ضروب بالصفيحة، هزوم للكثيرة من الكتيبة، أحمي الجار وأذب عن الذمار وأجود على العسر من اليسر غير بطئ عن النصر. قال الحجاج: ما أحسن هذه الخصال فأخبرني بأشد شيء مر عليك، قال: نعم أصلح الله الأمير.. بينا أنا أسير، ومركبي وثير، في عصبة من قومي، في ليلتي ويومي.. أنا المطاع فيهم، في كل ما يليهم.. حتى وردت أرضاً.. من بلد البحرين، عند طلوع العين.. حتى إذا كان السحر، من بعد ما غاب القمر، إذا أنا بعير، يقودها خفير.. وكان الحجاج متكئاً فاستوى جالساً ثم قال: ويحك دعنا من السجع والرجز وخذ في الحديث.."
    إن "الحجاج بن يوسف الثقفي" في هذا الخبر هو المروي له الذي ضاق بأسلوب الراوي، إن السجع في لغة القصة متكلف مصنوع يقف حاجزا بين المتلقي والاستمتاع بمتابعة الحدث فهو يعرقل التدفق القصصي لأن إيقاع لغة السرد غير إيقاع لغة الشعر التي يمكن أن تحتمل المحسنات والزينة الصوتية، إن بلاغة القصة تتأسس على السلاسة والانطلاق والاقتراب من لغة الحياة اليومية وإثارة ذهن المتلقي لاستقبال مغامرة سريعة الإيقاع وهكذا يرصد الجاحظ لحظة فارقة في التاريخ البلاغي تحدد مفهوم بلاغة الحكاية في مقابل بلاغة لغة الشعر والنثر الفني وهذه الفكرة تعد اليوم بداية تأسيس أسلوبية السرد.
    في "البخلاء" ينتقل الجاحظ إلى الإنسان البسيط.. الرجال الذين يملكون القليل ويخشون على ضياع الأشياء الرخيصة منهم في عالم المدينة، إن الأخبار التي رواها الجاحظ في البخلاء هي الفن الذي تطور ليصبح في عصرنا الحديث قصة قصيرة وأهم ما يميز مجموعة "البخلاء" تلك النظرة الواقعية التي يعبر بها الجاحظ عن أهل مدينته. كان الجاحظ واقعيا ومؤسسا لبلاغة القصة ورائدا للقصة الفلسفية وهذه السمات كلها تجعلنا نضعه في مكتبة السرد أستاذا لتوفيق الحكيم صاحب "عودة الروح" و"عصفور من الشرق" و"يوميات نائب في الأرياف" ونجيب محفوظ صاحب الثلاثية "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية". إن هؤلاء المبدعين الثلاثة كانت لديهم مهارة الجمع بين الصورة الحيوية للشخصية من ناحية والاتجاه الفكري الذي تعد الشخصية تجسيدا له من ناحية أخرى، فجمع الجاحظ والحكيم والنجيب بين روعة الفن وعمق الفكر.