العنوان وقصة الإنسان في ثلاثية نجيب محفوظ "بين القصرين / قصر الشوق / السكرية"
بقلم س. م. السيد
-
"بين القصرين": البداية، تلك الفترة التي تتشكل فيها
ملامح الذات منذ الطفولة فينمو لديها الوعي بالطريق الذي تسلكه والطريق الذي تبتعد
عنه.
-
"قصر الشوق": زمن الأمنيات والأحلام، زمن
الشباب الذي تشيد فيه الذات معمارا للعالم المثالي الذي ترجوه.
-
"السكرية": مرحلة الكهولة حين نجتر ما فعلناه ونعيش مع
أنفسنا على الذكريات، إنها "طعم السكر" الذي يبعث السلوى في النفس التي
تحدد مسارها وتسربت أحلامها أو انهارت قصور أشواقها.
العناوين عند نجيب محفوظ تتجاوز كونها علامات
دالة على أماكن، إنها ترتبط برحلة الإنسان التي تسير وفقا لثلاث مراحل: الأولى هي
السعي في الأفق المفتوح بين السبيلين للوصول إلى معرفة توجه عملية الاختيار.
الثانية هي تشييد عالم المثل في الأفق الروحي ليكون قصرا خاصا بنا نتمثل فيه
الواقع الذي لم نعرف كل أبعاده، نصنع واقعا افتراضيا يمنحنا قناعة بأن العالم يجب
أن يكون هكذا، يجب أن يكون كما نتصور لا كما نجهل، والمرحلة الثانية هذه هي مرحلة
"قصر الشوق" أو الجزء الثاني من الثلاثية، إنها مثالية الحلم بالمدينة
الفاضلة، لكنها مدينة وحيدة في أعماق مخيلة منفردة سمحت لها طاقة المراهقة
الربيعية المتسامية في دهاليز الذهن وأودية الخيال أن تعيد تفكيك الرموز وتفريغ
بعض محتوياتها وإعادة شحنها مرة أخرى على نحو يستوعب إفرازها الفكري، مخيلة فردية
لن تتحقق إلا باعتراف التاريخ الثقافي للمجتمع بها، وهي لا تستطيع أن تنتزع هذا
الاعتراف لأنها لم تندرج كلية في أطر المؤسسات، وعليها أن تقوم بعملية تعويض ترضي
طموحها الذي ينظر بثقة إلى أفق الغد ويدرك أنه سيشرق على فضائها، ويحدث التعويض
بإعادة تصنيع الرمز الاجتماعي على نحو خاص يمنح الذات حضورا تتجاوز به الهامش
المجتمعي المحدود من ناحية ويصبح الناتج الرمزي المتجدد في مخيلة الجيل الآتي
دليلا لأبجدية العالم القادم من ناحية أخرى، وتعيش الذات في منطقة المثل متلقية
الضربات الاجتماعية فتضيق عليها شيئا فشيئا ويكون التعويض الجديد في محاولة التعلق
بمعطيات الواقع التي كانت مرفوضة بينما يصبح "قصر الشوق" صورة في
الذاكرة. المرحلة الثالثة تجتر الذات فيها الأحلام القديمة بعد أن استهلكها
المتاح، إنها مرحلة "السكرية" التي تحتوي على بعض قطع الحلوى المتبقية
من أيام القصر العاطفي الكبير الذي خرجنا منه لكنه لم يخرج من أعماقنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق